محاضرات

في رحاب نهج البلاغة الحلقة الثانية

في رحاب نهج البلاغة الحلقة الثانية
يقول أمير المؤمنين علي(ع) في نهج البلاغة في صدد حديثه عن خلق السماء:
” حتى عبّ عُبابُه ورمى بالزَبَد رُكامه، فرفعه في هواء منفتق وجو منفهق فسوى منه سبع سموات جعل سُفلاهن موجاً مكفوفا وعُلياهن سقفاً محفوظا، وسَمكا مرفوعا، بغير عمد يدعمها ولا دِسار يَنظِمها ثم زينها بزينةِ الكواكب، وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجاً مستطيراً وقمراً منيراً في فَلَك دائر وسقف سائر، ورقيم مائر.
ما زال الإمام سلام الله عليه يبيّن موضوع خلق السماء والهواء والماء الذي يسبح في الفضاء، وبعد أن وصف الريح بأوصاف كثيرة مبيناً لنا وظائفها تابع كلامه حول الماء الذي تحمله الرياح فقال: حتى عبّ عبابه ورمى بالزبَد ركامه: أي تراكم بعضه فوق بعض وتكاثر، ، فرفعه في هواء منفتق وجو منفهق، والجو المنفهق هو الفضاء المفتوح والواسع، فسوى منه سبع سموات، الله تعالى إذا أراد أن يخلق شيئاً فإنه يخلقه بمجرد إرادته له من دون حركة أو سكنة أو قول أو أية إشارة أخرى لأن أمره إذا قال للشيء كن فسوف يكون مهما كان هذا الشيء عظيماً وكبيراً، والسماوات ليس أصلها الفضاء ولعل قوله: فسوى منه سبع سموات: أي بداخل هذا الفضاء الواسع وليس من مادته، وإن سعة هذا الكون لأكبر دليل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى لأنه من أكبر الآيات الدالة عليه.
وهذا التأني في صنع السموات ليس من باب العجز فإن الله تعالى ذو القدرة الباهرة والعظمة الظاهرة، وإنما كان هذا التأني في إنشاء الخلق من باب تعويدنا على التأني في اتخاذ القرارات وصناعة الأشياء، فلقد أشار القرآن الكريم في أكثر من موضع إلى أنه تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام مع العلم بأنه قادر على إنشائهما بلمح البصر لأن القادر على أن يوجد شيئاً من العدم هو قادر على إيجاد الشيء بلحظة.
ثم قال(ع): جعل سُفلاهن موجاً مكفوفا وعُلياهن سقفاً محفوظا، وسَمكا مرفوعا، بغير عمد يدعمها ولا دِسار يَنظِمُها:
لقد جعل الله سبحانه أسفل السموات موجاً لا يسيل وجعل أعلاهن سقفاً لا يسقط ولا يتهدم بقدرته الباهرة من دون دُسُر أي من غير مسامير تشد بعضها على بعض ومن غير أعمدة ترفع هذا السقف، قال سبحانه(اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)
ثم تابع الإمام(ع) كلامه فقال: ثم زينها بزينةِ الكواكب، وضياء الثواقب: أي أنه خلق في هذا الفضاء كواكب زيّن بها السماء وأضاء بها لأهل الأرض، قال تعالى(ولقد زيّنّا السماء الدنيا بمصابيحَ وجعلناها رجوماً للشياطين)
ثم قال(ع) وأجرى فيها سراجاً مستطيراً وقمراً منيراً في فَلَك دائر وسقف سائر، ورقيم مائر.
السراج المستطير هو الشمس التي أضاء الله بها ظلمات الأرض وجعل شعاعها سبباً لمعايش الخلق.
وأما الرقيم المائر فهو إسم من أسماء الفلك، وسمي بذلك لأنه مرقوم بالكواكب.
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في بيان خلق الملائكة وأوصافها ووظائفها: ثم فَتق ما بين السموات العُلا فملأهن أطواراً من ملائكته، منهم سُجود لا يركعون، ورُكوع لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهوُ العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان:
في هذه الفقرات القليلة والقصيرة يحدثنا أمير المؤمنين علي(ع) عن الملائكة، وهو من الأمور الغيبية التي لا تُنال بالإجتهاد والذوق والإستحسان، لأننا مهما حاولنا الغوص في هذا البحر فلن نخرج بأية نتيجة واضحة إلا إذا لجأنا ورجعنا إلى الذين أتحفهم ربهم بشيء من غيبه ليعلّموه كلَّ الناس.
والملائكة مخلوقات خاصة وعاقلة خُلقوا ليكونوا عباداً مخلصين لا يعصون الله ما أمرهم، وهم موجودون في السماء والأرض وبين الناس وفي داخلهم، ولكننا لا نستطيع أن نراهم بالعين إلا إذا أجرى الله معجزة لنا كما صنع مع أنبيائه الذين {اوا الملائكة رأيَ العين.
لقد تحدث القرآن الكريم عن الملائكة بشكل مجمل، وأُرجِأ أمرُ التوضيح والبيان والتوسيع للنبي وآله(ص) فهم الذين تكفلوا ببيان ما لم يرد بيانه، وهم المرجع لنا في هذه الدنيا دون سواهم.
ففي صدد الحديث القرآني عن الملائكة قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وقال تعالى(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلو راجعنا الكتاب الكريم لوجدنا أنه أقل الكلام حول صفة الملائكة في حين أنه أشار في العديد من السور إلى الوظائف التي كُلّفوا بها من قِبَلِ الله عز وجل، وهنا تحسن الإشارة إلى بعض تلك الآيات من باب توجيه النفس.
قال تعالى(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وقال تعالى(عليها تسعة عشر) وقال سبحانه(وجاء ربك والملَكُ صفاً صفا) وقال عز وجل(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)
وهناك العديد من الآيات التي تشير إلى وظائف الملائكة، وهي في نفس الوقت تحتاج إلى توضيح كيلا نفهم بعض الأمور على غير صورها الحقيقية، ولذلك راح أمير المؤمنين(ع) يصف لنا الملائكة فيقول: منهم سُجود لا يركعون، ورُكوع لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون:
الملائكة مخلوقات لا تأكل ولا تشرب ولا تلهو بل هي مخلوقات صابرة على عبادة الله كلٌ منهم يلتزم بالأمر الموجه إليه من الله سبحانه وتعالى، فهم كما وصفهم أمير المؤمنين(ع) لا ينامون ولا يسهَون ولا يتعبون من العبادة ولا ينسون شيئاً بقدرة الله سبحانه وتعالى.
الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى